محمد جمال الدين القاسمي

467

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال عديّ بن حاتم : أعاذل ما يدريك أن منيتي * إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد ويؤيده أن ( يشعركم ) و ( يدريكم ) بمعنى . وكثيرا ما تأتي ( لعل ) بعد فعل الدراية . نحو وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [ عبس : 3 ] . وفي مصحف أبيّ ( وما أدراك لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون ) . ومنها - جعل أن بمعنى هل . ومنها - جعل الكلام جواب قسم محذوف بناء على أن ( إن ) في جواب القسم يجوز فتحها . والذي ارتضاه الزمخشريّ وتبعه المحققون حمل الكلام على ظاهره ، وأن الاستفهام في معنى النفي ، والإخبار بعدم العلم لا إنكار عليهم . والمعنى : وما يدريكم أن الآية التي يقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بها . يعني : أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها ، وأنتم لا تدرون ذلك . قال في ( الانتصاف ) : لما جاءت الآية تفهم ، ببادئ الرأي ، أن اللّه تعالى علم الإيمان منهم ، وأنكر على المؤمنين نفيهم له ، والواقع على خلاف ذلك . اختلف العلماء ( وساق نحو ما قدمنا في الوجوه ) ثم قال : وأما الزمخشري فتفطن لبقاء الآية على ظاهرها وقرارها في نصابها ، من غير حذف ولا تأويل . فقال قوله السالف . ونحن نوضح اطراده في المثال المتقدم ، ليتضح بوجهيه في الآية ، فنقول : إذا حرمت زيدا لعلمك بعدم مكافأته ، فأشير عليك بالإكرام بناء على أن المشير يظن المكافأة ، فلك معه حالتان : حالة تنكر عليه ادعاء العلم بما يعلم خلافه ، وحالة تعذره في عدم العلم بما أحطت به علما . فإن أنكرت عليه قلت : وما يدريك أنه يكافئ ؟ وإن عذرته في عدم علمه بأنه لا يكافئ قلت : وما يدريك أنه لا يكافئ ؟ يعني : ومن أين تعلم أنت ما علمته أنا من عدم مكافأته ، وأنت لا تخبر أمره خبري . فكذلك الآية إنما ورد فيها الكلام إقامة عذر للمؤمنين في عدم علمهم بالمغيب في علم اللّه تعالى ، وهو عدم إيمان هؤلاء . فاستقام دخول ( لا ) وتعين ، وتبين أن سبب الاضطراب التباس الإنكار بإقامة الأعذار . انتهى . وفي نفي السبب ، وهو الإشعار ، مبالغة في نفي المسبب ، وهو الشعور . قال الخفاجيّ : وفي نفي المسبب بهذا الطريق مبالغة ليست في نفيها بدونها ، لأن في الكناية إثبات الشيء ببينة . وفيه تعريض بأن اللّه عالم بعدم إيمانهم ، على